أحمد بن علي القلقشندي
258
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والكبريت الأحمر ، وأقلّ وجودا من بيض الأنوق ( 1 ) بل بيض الأنوق في الوجدان أكثر . فقال « علم الفراسة » : على الخبير سقطت ، وبابن بجدتها حططت ؛ أنا بذلكم زعيم ، وبمظنّته عليم ؛ فللعلم عرف ينمّ على صاحبه ، وتلوح عليه بوارقه وإن أكنّه بين جوانبه ؛ فحامل المسك لا تخفى ريحه على غير ذي زكام ، والنّهار لا يخفى ضوءه على ذي بصر وإن تسترت شمسه بأذيال الغمام ؛ ولقد تصفّحت وجوه العلماء الكملة ، الذين طواياهم على أجمل العلوم منطوية وعلى تفاصيلها مشتملة ، وسبرت وقسّمت ، وتفرّست وتوسّمت ، فلم أجد من يليق لهذا المقام ، ويصلح لقطع الجدال والخصام ، ويعرف بلغة كلّ علم فيجيب بلسانه ، ويحكم فلا ينقض حكمه غيره لانحطاطه عن بلوغ مكانه ، إلا البحر الزّاخر ، و [ الفاضل ] ( 2 ) الذي لا يعلم لفضله أوّل ولا يدرك لمداه آخر ؛ حبر الأمة ، وعلَّامة الأئمة ، وناصر السّنة وحاميها ، وقامع البدعة وقاميها ( 3 ) ، نجل شيخ الإسلام ، وخلاصة غرر الأيّام ، جلال الدّين ، بقيّة المجتهدين ، أبو الفضل عبد الرحمن البلقينيّ الشّافعيّ ، النّاظر في الحكم العزيز بالديار المصرية ، وسائر الممالك الإسلامية وما أضيف إلى ذلك من الوظائف الدّينية ، لا زالت فواضل الفضائل معروفة : فهو العالم الذي إذا قال لا يعارض ، والحاكم الذي إذا حكم لا يناقض ، والإمام الذي لا يتخلَّل اجتهاده خلل ، والمناظر الذي ما حاول قطع خصم إلا كان لسانه أمضى من السّيف إذا يقال : « سبق السّيف العذل » :
--> ( 1 ) الأنوق : العقاب أو الرّخمة . ( 2 ) بياض في الأصل . ( 3 ) في حاشية الطبعة الأميرية أن أصلها : « قامئها » وخففت ؛ وقمأه ، كمنعه ، أي قمعه ( كذا ) . ولم نجد في معاجم اللغة التي بين أيدينا « قمأه » فعلا متعديا ، ولكن هناك « أقمأه » بمعنى صغره وأذله . ولعل الصواب أعلاه أن يقول : « مقميها » مخففة من « مقمئها » . ( انظر لسان العرب ، والقاموس المحيط ، والمعجم الوسيط : مادة : « قمأ » ) .